الشيخ محمد علي الأراكي

120

أصول الفقه

ألا ترى أنّ من أكل لحم الغنم المغصوب فهو من حيث إنّه أكل لحم الغنم ليس في مضيقة ، يعني لا يقال له : لم أكلت لحم الغنم ، كما لو كان أكل لحم الخنزير يؤاخذ من جهة أكل لحمه ، ولكن عدم مؤاخذته من هذه الجهة لا ينافي أبدا مع مؤاخذته ومسئوليّته من حيث إنّه أكل مال الغير بغير رضاه . فتحصّل من جميع ما ذكرنا عدم جريان البراءة النقليّة في أطراف الشبهة بوجه كالعقليّة ، وإذن فلا محيص عن الاحتياط في جميع الأطراف . هذا كلّه بناء على ما نختاره في الأحكام الواقعيّة من أنّها فعليّة من قبل المولى ، يعنى ليس لها من قبله نقص وحالة منتظرة ، ويتمحّض المانع في ما يكون من قبل المكلّف من اجتماعه شرائط التكليف ، وبعبارة أخرى : الأحكام المذكورة تكون بحيث إذا علم بها من استكمل الشرائط كانت فعليّة بمجرّد ذلك ، وهذا ظاهر دعاوي الإجماعات وظاهر الأدلّة المثبتة للتكاليف أيضا ، وإنّما صرفها عن ظاهرها من قال للأحكام بمراتب ، لزعمه عدم إمكان الجمع بين الأحكام الظاهريّة مع فعليّة الأحكام الواقعيّة ، ونحن حيث قد بيّنا في محلّه إمكانه باختلاف رتبة الحكمين ، فلا مانع عن إبقاء الأدلّة على ظواهرها من الفعليّة . وكيف كان فربّما يقال : إنّه على القول بثبوت المراتب للحكم الواقعي نجمع بين هذه الأدلّة المرخّصة مع ما يدلّ على حرمة العنوان الواقعي بحمل الثاني على الحكم الشأني ، وحينئذ تجري البراءة في كلّ من المشتبهين ؛ إذ غاية ما يلزم مخالفة الحكم الشأني ، ولا ضير فيها ولو علم تفصيلا . والحاصل : لا فرق عند هذا القائل بين الشبهة البدويّة والمقرونة بالعلم ، فكما يصرف دليل الحرام الواقعي عن ظاهره بواسطة دليل الرخصة في الأولى فلا بدّ أن يفعل ذلك في الثانية ، فلا فرق بين ما لو شكّ أنّ هذا المائع خمر أو ماء ، وبين ما لو علم بكون أحد الإنائين خمرا ، فإنّ المقامين مشتركان في كبرى معلومة وهو العلم بأنّ الخمر حرام ، نعم يزداد الثاني على الأوّل بانضمام صغرى معلومة وهو العلم بوجود الخمر إجمالا إلى تلك الكبرى ، ولكنّ العمدة هي الكبرى بمعنى أنّ